ابن أبي الحديد

132

شرح نهج البلاغة

وهذا كلام رجل قد استعمل التقوى والورع في جميع أموره ، وبلغ من تعظيم أمر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، وإجلال قدره واحترام حديثه الا يرويه إلا بألفاظه لا بمعانيه ، ولا بأمر يقتضى فيه إلباسا وتعمية ، ولو كان مضطرا إلى ذلك ، ترجيحا للجانب الذي على جانب مصلحته في خاص نفسه . فأما إذا هو قال كلاما يبتدئ به من نفسه ، فإنه قد يستعمل فيه المعاريض إذا اقتضت الحكمة والتدبير ذلك ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله باتفاق الرواة كافة إذا أراد أن يغزو وجها ورى عنه بغيره ، ولما خرج عليه السلام من المدينة لفتح مكة ، قال لأصحابه كلاما يقتضى أنه يقصد بنى بكر بن عبد مناة من كنانة ، فلم يعلموا حقيقة حاله حتى شارف مكة ، وقال حين هاجر وصحبه أبو بكر الصديق لأعرابي لقيهما : من أين أنت ؟ وممن أنت ؟ فلما انتسب لهما ، قال له الاعرابي : أما أنا فقد أطلعتكما طلع أمري ، فممن أنت ؟ فقال : من ماء ، لم يزده على ذلك ، فجعل الاعرابي يفكر ، ويقول : من أي ماء ؟ من ماء بنى فلان ، من ماء بنى فلان ؟ فتركه ولم يفسر له ، وإنما أراد عليه السلام أنه مخلوق من نطفة . فأما قول النظام : ( لو لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه سلم بالمعاريض لما اعتذر من ذلك ) ، فليس في كلامه اعتذار ، ولكنه نفى أن يدخل المعاريض في روايته ، وأجازها فيما يبتدئ به عن نفسه ، وليس يتضمن هذا اعتذارا . وقوله : ( لان أخر من السماء ) يدل على أنه ما فعل ذلك ولا يفعله . * * * ثم قال : ( على من أكذب ؟ ) يقول : كيف أكذب على الله وأنا أول المؤمنين به ؟ وكيف أكذب على رسول الله وأنا أول المصدقين به ! أخرجه مخرج الاستبعاد لدعواهم وزعمهم . فإن قلت : كيف يمكن أن يكون المكلف الذي هو من أتباع الرسول كاذبا على الله إلا بواسطة إخباره عن الرسول : لأنه لا وصلة ولا واسطة بينه وبين الله تعالى إلا الرسول ،